مجلس الدولة في فتوى جديدة :-
لا تُجبروا الناس على التقاضي من أجل حقوق استقر القضاء على ثبوتها.فالدولة العادلة لا تنتظر أن يُرهق المواطن نفسه في المحاكم حتى تعطيه حقه، بل تبادر إلى تنفيذ القانون والوفاء بالحقوق متى كانت واضحة ومستقرة..
فالإدارة الرشيدة ليست إدارة صمّاء تتجاهل استقرار الأحكام والمبادئ القضائية، ولا يجوز لها أن تُلجئ الموظف أو المواطن إلى القضاء لتحصيل حق أصبح واضحاً ومستقراً ولم يعد محلاً لنزاع جدي. فإذا استقر العمل القضائي أو الإداري على ثبوت حق معين، وخلت الواقعة من منازعة حقيقية في أصل الاستحقاق أو مقداره، فإن امتناع الإدارة عن الوفاء به لا يُعد دفاعاً عن المال العام، بل يمثل تعسفاً إدارياً ومطلاً غير مشروع، وإثقالاً لكاهل القضاء بقضايا نمطية مكررة، وإهداراً لوقت الدولة ومال المواطن. فواجب الإدارة في دولة القانون أن تبادر إلى إنفاذ الحقوق المستقرة، لا أن تجعل التقاضي طريقاً إجبارياً لنيل ما بات ثابتاً بحكم القانون والقضاء
فتوى بالغة الأهمية صادرة عن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في مجلس الدولة ، قررت مبدأ إدارياً وإنسانياً رفيعاً، خلاصته أن الإدارة الرشيدة لا يجوز أن تُلجئ المواطن أو الموظف إلى القضاء لتحصيل حق أصبح ثابتاً ومستقراً وواضحاً، لم يعد محلاً لنزاع جدي.
وقد أكدت الفتوى أن آثار أحكام المحكمة الدستورية العليا لا تقف عند حدود الخصوم في الدعوى الدستورية، بل تمتد إلى الكافة، وتلتزم بها جميع سلطات الدولة، متى تعلقت بعدم دستورية نص قانوني، لأن الحكم الدستوري يكشف عن عيب لازم النص منذ نشأته.كما انتهت الجمعية العمومية إلى وجوب صرف المقابل النقدي لرصيد الإجازات الاعتيادية للعامل دون اشتراط اللجوء إلى لجان فض المنازعات أو إلى المحكمة المختصة، ما لم يوجد نزاع جدي في أصل الاستحقاق أو في مقدار المبلغ المستحق.
والأجمل في هذه الفتوى أنها لم تقف عند حدود النص الجامد، بل أرست فلسفة عميقة في علاقة الدولة بالمواطن، حين قررت أن من أخص واجبات الدولة تحقيق العدالة في الروابط القائمة بينها وبين مواطنيها، فلا يجوز أن تجبرهم على طرق أبواب القضاء لنيل حقوق لم تعد محل جدل، بعد أن استقر القضاء على أصل استحقاقها وباتت الحقيقة القانونية بشأنها واضحة جلية.
فالغاية من التقاضي هي إنهاء نزاع قائم وبيان وجه الحق فيه، أما إذا كان الحق واضحاً وثابتاً، فإن إجبار صاحب الحق على رفع الدعوى لا يكون إلا نوعاً من اللدد والكيد وتأخير الوفاء بالحقوق، وهو تعسف في استعمال حق التقاضي، وإثقال لكاهل القضاء بقضايا نمطية مكررة، وإهدار لمال الدولة والمواطن معاً.إن هذه الفتوى تصلح أن تكون قاعدة عامة في الإدارة الرشيدة:لا تُجبروا الناس على التقاضي من أجل حقوق استقر القضاء على ثبوتها.فالدولة العادلة لا تنتظر أن يُرهق المواطن نفسه في المحاكم حتى تعطيه حقه، بل تبادر إلى تنفيذ القانون والوفاء بالحقوق متى كانت واضحة ومستقرة.
وهنا تظهر قيمة الإدارة القانونية الحقيقية؛ فهي لا تقاس بكثرة المنازعات التي تفتعلها، بل بقدرتها على منع الخصومة حين يكون الحق واضحاً، وحماية المال العام من الإنفاق على دعاوى لا جدوى منها، وصيانة وقت القضاء من القضايا التكرارية التي لا تُعرض عليه إلا لتأخير الوفاء بالاستحقاقات.((متى استقر القضاء على أصل الحق، وخلت الواقعة من نزاع جدي، أصبح امتناع الإدارة عن الوفاء به وإلجاء صاحب الحق إلى القضاء صورة من صور التعسف الإداري، ومخالفة لواجب الدولة في تحقيق العدالة لمواطنيها)) الفتوى من مجلس الدولة المصري ونشر الفتوى يعزز حقوقكم ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.