نحب ما نعمل

الجمعة، 8 مايو 2026

مطالبة المتقاضي برسوم قضائية نسبية عن دعوى خسرها بصدور حكم بـ رفضها، تمثل مخالفة صارخة لصحيح القانون،



سقوط الوعاء بسقوط الحق: قاعدة 'لا رسوم على دعاوى مرفوضة' كحصانة للمتقاضي"
تتناول هذه المقال حكماً قضائياً هاماً صادراً عن محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المصري، والذي يحسم نزاعاً قانونياً متكرراً يتعلق بمدى مشروعية تقدير الرسوم القضائية "النسبية" و"رسوم الخدمات" في حالات رفض الدعوى أو عدم القضاء للمدعي بطلباته.
​فيما يلي مقال قانوني تحليلي يستعرض الوقائع، الأسانيد القانونية، والقرار الإداري المطعون فيه، والقواعد التي أرستها المحكمة:
​المقومات القانونية لإلغاء رسوم المطالبة القضائية في ضوء أحكام القضاء الإداري
​مقدمة النزاع
​تتلخص وقائع القضية في إقامة مدعٍ لدعوى أمام القضاء الإداري يطلب فيها وقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ حكمين سابقين صادرين لصالحه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها براءة ذمته من الرسوم القضائية المقدرة عليه بموجب أمر مطالبة ناتج عن دعوى مدنية سابقة رُفضت موضوعاً. وتكمن جوهر المشكلة في استناد جهة الإدارة (قلم الكتاب) إلى الكتاب الدوري رقم 2 لسنة 2009 الصادر عن وزير العدل لتحصيل رسوم عن دعاوى لم يقضِ فيها للمدعي بأي نفع مادي.
​الأسانيد القانونية من قانون الرسوم القضائية
​استندت المحكمة في حيثياتها إلى نصوص القانون رقم 90 لسنة 1944 بشأن الرسوم القضائية في المواد المدنية (المعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2009)، وحددت القواعد التالية:
​المادة (3): أوضحت كيفية فرض الرسوم على استئناف الأحكام، حيث يُفرض رسم ثابت على الاستئنافات في الدعاوى معلومة القيمة، ورسم ثابت آخر على الاستئنافات في الدعاوى مجهولة القيمة (مثل استئناف أحكام المواد المستعجلة أو الأحكام الصادرة في المسائل الفرعية).
​المادة (9): وضعت سقفاً لتحصيل الرسوم النسبية، بحيث لا تُحصل رسوم نسبية على أكثر من ألف جنيه في الدعاوى التي لا تزيد قيمتها على أربعين ألف جنيه، ولا على أكثر من ألفي جنيه في الدعاوى التي تزيد على ذلك حتى مائة ألف جنيه، وهكذا صعوداً.
​المادة (21): وهي المادة الجوهرية في النزاع، حيث تنص على أن الرسم يسوى على أساس ما حُكم به. وهذا يعني قانوناً أن الالتزام بدفع الرسم النسبي مرتبط شرطياً بصدور حكم يقرر حقاً للمدعي؛ فإذا رُفضت الدعوى، فلا يستحق عليها إلا الرسم الثابت الذي دُفع عند الرفع.
​رسوم صندوق الخدمات (الرسم الإضافي)
​تطرق الحكم أيضاً إلى المادة (1 مكرر) من القانون رقم 36 لسنة 1975 (المعدل بالقانون رقم 7 لسنة 1985) بشأن إنشاء صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية.
 وأكدت المحكمة أن هذا الرسم "يتبع أصله"، بمعنى أنه يدور وجوداً وعدماً مع الرسم النسبي الأصلي. فإذا سقط الالتزام بالرسم النسبي لعدم الحكم بشيء للمدعي، سقط بال تبعية رسم الخدمات.
​القرار الإداري المطعون فيه: الكتاب الدوري رقم 2 لسنة 2009
​كان محور النزاع هو "الكتاب الدوري رقم 2 لسنة 2009" الصادر عن وزير العدل، والذي تضمن بنداً يقضي بتسوية الرسوم النسبية واسترداد الفرق بين الرسوم المحصلة وقت رفع الدعوى وبين ما يستحق عنها في حالة رفض الدعوى.
​وقد اعتبرت المحكمة أن هذا الكتاب الدوري قد تضمن حكماً مستحدثاً يخالف صريح القانون، إذ قرر تحصيل رسوم عن دعاوى خسرها أصحابها، وهو ما يعد "اغتصاباً لسلطة المشرع" من قبل جهة الإدارة، وتجاوزاً لحدود اللائحة التنفيذية أو التنظيمية، مما يجعله قراراً منعدم الأثر في هذا الشق.
​قواعد الاختصاص القضائي وفصل المنازعة
​أرست المحكمة قاعدة هامة فيما يتعلق بالدفع بعدم الاختصاص، حيث فرقت بين نوعين من المنازعات في الرسوم:
​المنازعة في مقدار الرسم: وهذه يتم سلوك طريق "المعارضة في أمر التقدير" أمام المحكمة التي أصدرت الحكم الأصلي.
​المنازعة في أساس الالتزام بالرسم: (أي هل الرسم مستحق أصلاً من الناحية القانونية أم لا؟)، وهنا ينعقد الاختصاص لمحكمة القضاء الإداري باعتبارها طعناً في قرار إداري (أمر المطالبة) ومخالفة للقانون.
الأصول الدستورية والقانونية لعدم استحقاق الرسوم في حال رفض الدعوى
​تستند المنظومة القضائية في تحصيل الرسوم إلى مبدأ "المقابلية"، أي أن الرسم يُدفع لقاء خدمة معلومة. وفي عالم التقاضي، فإن الخدمة التي تستوجب رسماً "نسبياً" هي تلك التي تنتهي بإقرار حق مادي للمدعي. فإذا انتهت الخصومة بصدور حكم بـ رفض الدعوى، فإن المركز القانوني للمتقاضي يظل كما هو دون تغيير أو نفع، ومن هنا تبدأ القواعد القانونية في حماية ذمته المالية.
​أولاً: قاعدة "الرسم يدور وجوداً وعدماً مع الحكم بالحق"
​وفقاً لـ المادة 21 من القانون رقم 90 لسنة 1944 بشأن الرسوم القضائية، فإن المشرع وضع ضابطاً لا يقبل التأويل؛ وهو أن الرسوم القضائية لا تُسوى نهائياً إلا على أساس "ما حُكم به".
إن عبارة "ما حُكم به" تعني أن وعاء الرسم هو القيمة المالية التي تضمنها منطوق الحكم الصادر لصالح المدعي. وفي حالة رفض الدعوى، فإن القيمة المحكوم بها هي "العدم"، ومن ثم يفتقر الرسم النسبي لوعائه، ويصبح إجراء المطالبة به هو مطالبة بمبلغ ليس له أساس قانوني يبرره.
​ثانياً: عدم مشروعية القياس أو التوسع في تحصيل الرسوم
​استقرت المبادئ القانونية على أن "الرسوم" كالضرائب، لا تُفرض ولا تُعدل ولا تُلغى إلا بقانون. وبناءً عليه، فإن أي محاولة من جهة الإدارة (قلم الكتاب) لتحصيل رسوم نسبية عن دعوى مرفوضة استناداً إلى "المطالب الواردة في صحيفة الدعوى" هي محاولة باطلة بطلاناً مطلقاً.
إن العبرة ليست بما طلبه الخصوم، بل بما استجابت له المحكمة؛ فالمطالبة برسوم عن طلبات رفضها القضاء تمثل عقوبة مالية للمتقاضي على ممارسته لحقه الدستوري في التقاضي، وهو أمر يأباه النظام القانوني.
​ثالثاً: تبعية رسوم الخدمات وصندوق القضاة للرسم الأصلي
​ينص القانون رقم 36 لسنة 1975 على فرض رسوم إضافية تخصص لصندوق الخدمات الصحية والاجتماعية. وهنا تقرر القاعدة الأصولية أن "التابع يلحق الأصل في الحكم".
بما أن الرسم النسبي (الأصل) قد سقط لعدم وجود حكم بالحق نتيجة رفض الدعوى، فإن رسم الخدمات (التابع) يسقط بالضرورة. فلا يجوز مطالبة المواطن برسم "خدمة" عن دعوى لم يستفد منها شيئاً وقضى القضاء برفض مطالبته فيها.
​رابعاً: بطلان القرارات الإدارية المخالفة للقانون (الكتب الدورية)
​كثيراً ما تستند جهات الإدارة إلى كتب دورية أو تعليمات إدارية داخلية تقضي بتحصيل الرسوم في كل الأحوال. ومن الناحية القانونية، فإن هذه التعليمات لا ترقى لمستوى القانون. فإذا اصطدم "كتاب دوري" بنص المادة 21 من قانون الرسوم، وجب إهدار الكتاب الدوري وإعلاء نص القانون.
فالإدارة لا تملك "اغتصاب سلطة المشرع" بإنشاء التزامات مالية جديدة لم ينص عليها القانون، وأي مطالبة تتم بناءً على ذلك تقع تحت طائلة الإلغاء أمام محاكم القضاء الإداري لعدم المشروعية.
​خامساً: الفرق بين الرسم الثابت والرسم النسبي عند الخسارة
​يجب التفرقة قانوناً بين نوعين من الرسوم عند رفض الدعوى:
​الرسم الثابت: وهو الذي يسدده المدعي عند قيد الدعوى، وهذا الرسم لا يُسترد لأنه مقابل "فتح ملف" وتحريك مرفق العدالة، وهو المبلغ الوحيد الذي تتحمله الدعوى المرفوضة.
​الرسم النسبي: وهو الذي يمثل نسبة من قيمة الحق المطالب به، وهذا لا يُستحق نهائياً إلا إذا قُضي للمدعي بطلباته. فإذا رُفضت الدعوى، تبرأ ذمة المدعي من هذا الرسم تماماً.
​الخلاصة:
إن مطالبة المتقاضي برسوم قضائية نسبية عن دعوى خسرها بصدور حكم بـ رفضها، تمثل مخالفة صارخة لصحيح القانون، واعتداءً على حرمة المال الخاص، وإخلالاً بضمانات حق التقاضي. فالقانون لا يقر "الجباية" وإنما يقر "الرسم مقابل النفع"، فإذا انتفى النفع بصدور حكم الرفض، انتفى بالتبعية الحق في تحصيل الرسم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.